منتدى توام روحى


 
التن تعليمىالرئيسيةاليوميةمكتبة الصورس .و .جالأعضاءبحـثالمجموعاتدخولالتسجيل


شاطر | 
 

 في الحي ظلام

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
SMARTWAY
عضو جديد
عضو جديد


عدد المساهمات : 5
نقاط : 14
تاريخ التسجيل : 18/02/2010

مُساهمةموضوع: في الحي ظلام   الخميس فبراير 18, 2010 7:38 am

في الحي ظلام


في حقبة زمنية ليست ببعيدة جدا كانت أزقة مدينة شفشاون العتيقة غارقة في ظلام دامس تقريبا ، إذا أخرجت يدك لم تكد تراها، فنشطت فيها الجرذان وبعض الزواحف ، إضافة إلى أصحاب العلاقات غير الشرعية ، ومدمني الخمور والمخدرات الذين اتخذوها أوكارا وملاذا.


كان عبد الودود يعمل مسؤولا في مؤسسة سياحية متواضعة ، و كلما عاد من العمل إلى المنزل ليلا وقف ببابه وقفة مهيبة، فكان لا يستطيع أن يعثر على المفتاح ويهتدي إليه إلا بشق نفسه ، وضيق صدره ، وكم كان يخشى على نفسه في تلك الظلمة الحالكة هجوما أو غدرا أو اعتداء ، سيما إذا كان الجو ممطرا عاصفا ، والزقاق خاليا... وحينما يدخل بيته يحمد الله ويشكره على سلامته كثيرا .


أملى عليه ضميره ذات يوم بأن يخرج خيطا كهربائيا من منزله ويعلق مصباحا من النوع الجيد على بابه ليستفيد من نوره ويفيد ، خصوصا في أوقات صلاة الفجر والعشاءين ، فاستجاب لضميره وأراحه.


كان يوجد في الأزقة عدد من المصابيح الصغيرة منثورة ومعلقة كالعراجين القديمة ، لكنها كانت معطلة لا تضيء في أغلب الأحيان، أو ضعيفة الإنارة أحيانا أخرى .

وفي يوم من أيام الربيع الدافئ ، كان الوقت ظهرا و كان عبد الودود وزوجته يتناولان غذاءهما ونوافذ بيتهما مشرعة ، والزقاق يعمه الصمت والسكينة ، خال من المارة ، فلا طير يطير ولا سير يسير ، كما يقولون ، ناهيك عن الدراجات والسيارات التي لا تزور الزقاق إلا نادرا، نظرا لضيقه و صعوبة القيادة فيه ، فإذا بعبد الودود يسمع همسا ومناجاة طفلين بوضوح:
ـ أستحطم المصباح؟
ـ أجل... بهذا الحجر .
ـ إذن عليك ألا تخطئه عند أول رمية.
ـ كذلك سأفعل ، أنظر....
لم يصدق عبد الودود ما سمعته أذناه ، ولم يكن يتوقع أن مصباحه هدف المتهامسين المتناجيين ، تابع تناول طعامه ، وعلى دوي انفجار قوي صرخت الزوجة وهي مرتعبة : يا أماه... ووضعت كفيها على صدرها وبسملت واستعاذت بالله عدة مرات ، واتكأت على حائط وهي في حالة لا تحسد عليها . أما عبد الودود فقام مندهشا مذعورا ، واتجه نحو مصدر الانفجار مسرعا مهرولا.

وقف بباب منزله فالتفت يمينا وشمالا فلم يجد أحدا ، نظر إلى الأرض فوجد قطعا من الزجاج مبعثرة في كل جانب ، رفع نظره إلى المصباح فلم يجد إلا أثره ، فدخل منزله وهو يهمهم ، فسألته زوجته بصوت مرتجف:
ـ ماذا جرى يا عبد الودود؟.
ـ مصباح باب منزلنا، تحطم برمية حجر.
ـ وهل عرفت الفاعل؟
ـ كلا، لكنني سمعت أثناء تناولنا الطعام طفلين يتحدثان همسا عن تحطيم مصباح، ولم يخطر ببالي أن مصباحنا هو الهدف.

أكمل عبد الودود غذاءه بدون شهية وانصرف إلى عمله.

مر على هذا الحدث شهران تقريبا فأضيئت كل أزقة مدينة شفشاون العتيقة بأنوار بيضاء ناصعة ساطعة ، فتبدد الظلام ، واستقرت الجرذان والزواحف في جحورها ، وقلل أصحاب العلاقات غير الشرعية ومدمنو الخمور والمخدرات من الظهور...


كانت هذه الإضاءة الفعالة ـ حسب ما انتهى إلى علم عبد الودود ـ منة من الله ومنحة من الاسبان ، فهم الذين تكرموا على ساكنة مدينة شفشاون العتيقة بمصابيح بيضاء كبيرة جميلة جدا مضيئة أعادت إلى قلوب الأهالي جميعا نوعا من أنواع السعادة ، ولونا من ألوان الطمأنينة ، وضربا من ضروب الأمن والآمان.

عاش عبد الودود وجميع ساكنة حيه في هذا الجو البهيج فترة طويلة ، فإذا بالظلام يعود يوما ، فعادت الأحوال كما كانت عليه من قبل.....

حقق في الأمر وعلم أخيرا أن تحطيم المصابيح لم يكن هذه المرة بفعل الطفليـــــن
المتهامسين المتناجيين ، بل بتوقيع الكبار اليائسين البائسين الذين لم يجدوا وسيلة للتعبير عن شقائهم وبؤسهم عدا تكسير مصابيح أحيائهم.

أه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
في الحي ظلام
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى توام روحى :: منتدى عام :: القسم الادبى-
انتقل الى: